فايز قزق لموقع أصدقاء سورية: المسرح اجتماع حر يتناقش الناس فيه بمنتهى طلاقة اللسان وبمنتهى الحرية للروح.

143
الفنان فايز قزق,موقع أصدقاء سورية
الفنان فايز قزق,موقع أصدقاء سورية

اكتشف الحس التمثيلي عنده قائلا :”أن كل انسان لديه ميل لأن يمثل ، وهذا الميل يعيه فيما بعد ،فتلقائياً الأطفال يقلدون الآخرين ،حتى أننا بطفولتنا كنا ننقسم قسمين، قسم يمثل الضيوف والقسم الآخر يمثل المضيف ،نقدم الشاي والقهوة وكله ايمائي ،كان هذا بالنسبة لنا من أجمل الأشياء التي نقوم بها ، وعبر مئات السنين تحولت هذه الطقوس إلى ما يشبه نصوص مسرحية تكتب وتقدم ولها مسابقات وجوائز، ثم انتقلت إلى الكنيسة التي كانت تقدم المسرح للدعوى للمسيحية ، ومن ثم انتقل المسرح من الكنيسة إلى الفضاء العام الأرحب وكانت عصور النهضة ، نهضة الأوربيين وبالتالي اصبح المسرح جزء مهم وكبير من هذه الصحوة .”

 وأوضح قزق أن ما يريده من المسرح هو التوازن ، لأنه بلا المسرح يكون شخص غير متوازن وغير قارئ ،أخرس ، متلقي أمام تلفزيون لا يرى البشر في صالات المسرح والسينما وأيضا صالات الفنون الأخرى ، فعندما يذهب لمكان آخر للتمثيل كما في التلفاز ، يصبح ببغاء ،يتلقى هذا النص المكتوب سلفاً ، يحفظه ولا يقرأه ، ويقدمه أمام هذه الشاشة ، لتعرضه في التلفاز ،إذا” فهو ينفذ مشاريع الغير ، أما في المسرح فهو ينفذ مشروعه مع الجماعة التي لها أيضا مشاريع كممثلين ومخرجين ومصممين ، وهذا المشروع منوط ومرتبط ارتباط مباشر  بمن سيأتي أي بجزء من جمهور المدينة ، يأتي ليرى مشكلته عبر وسائل المسرح المختلفة والتي يقف  الانسان ،الممثل ،في مركزها.

وردا” على سؤاله من هم جمهور المسرح تحدث قائلاً”: ” ليس لدينا اليوم جمهور مسرح في سوريا تم القضاء عليه خلال العشرين سنة الماضية، بالضبط عندما أخفيت السينما اختفى جمهورها، وبالتالي عندما بات المسرح نزيزاً ” تم القضاء على جمهوره.

وتابع قزق “جمهور المسرح يربى عبر ثلاثة أجيال على الأقل أي عبر ثلاثين أو خمس وثلاثون سنة ليصبح هناك مندوب عن هذه المدينة أسمه الجمهور المسرحي، يرى ما يقدم بالمسرح من خلال ممثلين يقدمون المشكلة الاقتصادي والاجتماعية والسياسية والأخلاقية عبر الخيال، أي يناقشونها بطريقة بعيدة جداً “عن النقاش السياسي والنقاش الاقتصادي والأخلاقي الممل، يناقشونها بطريقة الاجتماع الحر.

في المسرح لا يسأل الانسان كم يمتلك من المال الكل يجب أن يدخل، المرأة، الرجل، الغني، الفقير الجاهل، العالم، المتعلم، الأمي، الصبي، الصبية، يتعارفون ويتواصلون مع بعضهم البعض برؤية ما سيقدم من مشاكلهم عبر مجموعة تختص ومرتبطة بهم، وهي مجموعة الممثلين، لذلك اسمهم ممثلو الشعب ونواب هذا الشعب، ومن هنا نقول عن المسرح بأنه “البرلمان الشعبي “.

واشار قزق أن المسرح والسينما عندما تكون على أصالتهما والدولة تدرك هذه الأصالة وتحترمها، هنا يستطيع المسرح والسينما أن يكونا أماكن تنويرية لعدد كبير جداً” لأبناء المدينة الذين يرزحون تحت وطأة جملة هائلة من المشاكل، لكنهم لا يدركون السر في هذه المشكلة، والقانون الذي يعبث بمصائرهم، هنا يقدم جزء من هذه المشاكل تطرح للحوار لمن حضر ولمن لم يحضر لاحقا”، تفتح حوارا”.

أما عن رأيه لعدم استمرارية ذلك التألق والوهج الذي كان عليه المسرح في الستينيات ،تحدث قائلاً : ” يبدو أن هناك أمراً” على مستوى الأرض للقول بأن على ثقافات العالم أن تضطهد تكسر ومن بينها المسرح ليس فقط في الوطن العربي كذلك الأمر في أوربا ضعف المسرح بسبب السطوة الأمريكية والاحتلال العسكري والاقتصادي لها ، بعكس ما كان عليه في الستينيات والسبعينيات ،حيث كان يوفد إلينا أشخاص من فرنسا وألمانيا وبريطانيا ، السيدة سالي غريس كانت بريطانية ،السيد ميشير ريشيار كان فرنسيا ،ودولف تنكا كان ألمانيا ، قدموا لنا خدمات مهمة جداً” على مستوى فهم مسارح الغرب وعلى مستوى الحوار ،وكيفية بناء المسرح المستقل بالنسبة لنا أو على مستوى التدريب والتعريف بريخت ،موليير ووليام شكسبير وغيرهم وفي الواحد والعشرين سنة الماضية لم يعد يأتي أحد من هناك ،بدا الأمر وكأنها فقدت الصلة مع تاريخها القريب الثقافي وباتت تتكلم بلسان أمريكي هذا الأمر عُمم على مستوى الأرض وكانت القماشة الاجتماعية الأكثر هشاشة هي الوطن العربي نتيجة أصلا” عدم إيمان  الدول العربية كحكومات وحكام بالثقافة وإهمالهم لها وعدم وجود أي نوع من أنواع التغذية المالية والنقدية للمسارح والسينما والرواية والقصة الصغيرة والشعر والرقص والموسيقا الموزونة ،فهم يعتقدون أن الشعوب عندما تعي يمكن لها أن تنهض وهذا أمر مؤكد فعلى الانسان أن يكون محصن بالثقافة المحلية والتاريخية ،لهذا المكان في سوريا والعراق أو لنقل في شرق المتوسط ضمناً” الكويت والبحرين وجزء كبير من ايران لهذه المنطقة ثقافة عميقة والانسان لديه تراث عميق يتم تجاهله ويحذف هذا التاريخ الطويل لهذا الانسان الفعال ، علماً أن هذا التاريخ العميق هو التاريخ العقلي لهذا الانسان ، كان نمو العقل البشري لهذه المنطقة منذ سبعة آلاف سنة على الأقل حتى هذه اللحظة ينمو بصورة مطردة إلى الأعلى على مستوى فهم اكتشاف الخالق والطبيعة واكتشاف القانون والحقوق و الحديث عن العدالة والحديث عن الجريمة وأيضا عن الغناء والشعر وكُتبت الملاحم وكان هناك دول وامبراطوريات وجمهوريات وممالك شكلت ما نسميه بالحضارة السورية هذه الحضارة عمرها ستة آلاف سنة مؤكدة منها الزراعة وأولى المستوطنات ومنها الأبجديات ومنها انطلقت العقائد باتجاه معرفة الكون وإليها ومنها ولدت وجاءت الأديان وانطلقت منها هذا الأمر تم تجاهله أيضا”.

وتأسف قزق لوجود المسارح غير الفاعلة في سورية والوطن العربي وأشار إلى أن المسؤول المباشر هو من يتحكم بوزارات الثقافة، أقصد العقلية العميقة في الوزارات والتي في بعض جوانبها لا تستسيغ الثقافة المتطورة.

وأكد قزق أن هناك مسألة خطيرة جداً “فالثقافة تهتكت منذ زمن بعيد فكان العديد من المثقفين والفنانين الحقيقيين المسرحيين والسينمائيين يصرخون بصوت عال إن هذا الدرب يجب أن يتابع لكن دون جدوى فعندما تريد الدول العظمى أن تتحكم في العالم تعطي أمراً بشكل ضمني لإلغاء الاجتماعات الحرة ، والمسرح اجتماع حر يتناقش الناس فيه بمنتهى طلاقة اللسان وبمنتهى الحرية للروح، يناقش مشكلة مع هذا الذي جاء يتواطأ معه لحضور هذا الاجتماع الحر والحقيقة في الاجتماعات الأخرى ثمة من يقول أو يشي إن صمتوا أو سمعوا عليكم أن توافقوا.. توافقوا.. توافقوا.

وفيما يتعلق بدعوة الناس إلى خشبة المسرح في ظل هذا الواقع الثقافي ..أفاد قزق إنها مسألة تتطلب عملية صعبة ومعقدة ولكن ليست مستحيلة ،علينا البدء أولا” بالمدارس، فالمسرح المدرسي فرصة لإنتاج جيل يقف على الخشبة يعلن عن ذاته ويعبر عن نفسه ويستشعر بمدى أهميته كممثل صغير ،وأن يكون المسرح جزءاً أساسياً في التعليم ووسيلة لمعرفة الذات بالنسبة للطفل وتصديرها للأخر وتقوية هذه الشخصية منذ الصغر إلى أن تنطلق وإلا فالخجل والأمية وعدم القدرة على النطق ،كله سيترتب على عدم وجود المسرح في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية ،وأن يكون هناك خطة منظمة واضحة لمدة عشر أو إلى خمسة عشر عاما” لها علاقة بتطوير المسرح ،بمعنى أن يكون في كل صالة فرقة موطنة في كل مركز ثقافي وفي كل مسرح نسميه مسرح قومي ،انتاج مسارح جديدة على مستوى مسرح المرأة ،لا يعني أن المرأة هي التي ستعمل  في المسرح ،لكن يعنى بشأنها ،فإذا نظرنا إلى إبسين نجد أن المرأة لديه تحتل الشخصية المركزية في بعض مسرحياته ،وإذا نظرنا إلى أوغست ستريند بيرغ نجد أن المرأة أيضاً المسألة المركزية في معظم مسرحياته ،ولهذا كانت أول ثورة نسائية للقرن التاسع عشر في تلك المنطقة ، فنجد أنها مجتمعات لطيفة إلى حدٍ كبير ،لقد باتت المرأة خارج السجن الاجتماعي والأخلاقي الذي كان يقيدها ،ونهضت إلى المصنع والجامعة بعيداً عن كل فكر متخلف وكل فكر ارتكاسي ونقوصي يدعوها لأن تكون كما كنا كمجتمعات في الماضي مجرد ربة منزل تقليدية ..

أما عن أداء الممثل المسرحي وتلفزيوني فقيمهم قزق قائلاً: ” حسب الإنسان الذي يؤدي وعلى الرغم من أن هناك نجوم في التلفاز بارعون في مهنتهم ومتمرسين وقادرين على تقديم ما يمكن أن يصطاد العين والأذن ،إلا أنه في التلفاز لا يوجد حضور للإنسان ولكامل الجسد والروح كما في المسرح ،في التلفاز حضور لشبيه الإنسان أو صورة الإنسان أو حتى رأس الإنسان ،في المسرح الأمر يختلف تماما ً،المسرح لا يقبل إلا الإنسان كاملاً فهو مؤهل ومدرب يتعرف على ملكاته العقلية ويستخدم الجسد بطريقة خلاقة والصوت بطريقة مؤثرة ويستخدم وهو الأهم الدماغ بطريقة يشتق منها العقل بشكل خلاق فيصبح جذاباً ساحراً على الخشبة .

وهذه الميزات موجودة عند كل انسان منا من الجمهور أو غيره، لكن هذا الانسان على الخشبة هيأ وتربى ليكون الأقدر على تفعيل هذه الكلمات العقلية الخلاقة واستخدامها استخداماً ايجابياً لشرح قضية عبر الخيال وعبر الوهم المسرحي الذي يتحول من رأس المشاهد إلى حقيقة يرويها للغير..

وحث قزق أي ممثل يريد أن يبقى محافظاً على ملكاته وقدراته بأن يقرأ، وليس قراءة النص فقط بل قراءة الجسد والنفس والروح والوجدانيات الداخلية العميقة، أيضاً قراءة الكلمات وقراءة الحياة والمواقف والأحداث، أن يقرأ ما يمكن أن يكون في المستقبل، يقرأ بشكل إيجابي ما هو في الماضي، فالمسألة تحتاج إلى نوع من التفتح على كل شيء واستخدام كل ما يمكن أن يكون من ملكات عقلية تشتق من الدماغ.

حوار رانيا ناربي – خاص لموقع أصدقاء سورية

سيرة ذاتية للفنان فايز قزق

ممثل ومخرج سوري، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية عام ١٩٨١، مثل في المسرح، مخرج محترف منذ عام ١٩٨٨.

حاصل على شهادة عليا في إعداد وتدريب الممثل المسرحي من كلية “الروزبروفيلد” في بريطانيا، وعلى شهادة الماجستير في الإخراج المسرحي من “جامعة ليدز”master of art .