جرائم الحرب الاسرائيلية وفق القانون الدولي ..الاحتلال والاستيطان في القدس

57
جرائم الحرب الاسرائيلية وفق القانون الدولي ..الاحتلال والاستيطان في القدس
جرائم الحرب الاسرائيلية وفق القانون الدولي ..الاحتلال والاستيطان في القدس

منذ نشأة الحياة ، والحرب سجال بين البشر حتى غدت الحرب سمة من أبرز سمات التاريخ موقعة الضحايا وتحولت إلى أداة لقهر إرادة الجماعات والشعوب .

وقد اتسمت الحروب والصراعات في العصور القديمة بالوحشية والمغالاة في سفك الدماء فلم ينجو من ويلات الحروب عجوز أو امرأة أو طفل وظهرت الحاجة لإخضاع الحروب لبعض القواعد اعتبارات انسانية فكانت الجذور الاولى في الديانات السماوية .

وكان الفقه الاسلامي سباقاً على المجتمع الغربي في القرن العاشر بوضع نظرية متكاملة في قانون الحر بعلى يد الفقيه محمد بن الحسن الشيباني بكتاب “قانون الحرب”

ثم شهد الغرب في قرن التاسع عشر والقرن العشرين سلسلة من المؤتمرات استهدفت تقنين المبادئ التي استقر عليها الفقه والعرف الدوليين فكان أولها ، مؤتمر بروكسل عام 1874 وبعده مؤتمري لاهاي لعام 1899 و 1907 اللذان أسفرا عن وضع عدد من الاتفاقيات الدولية لقانون الحرب..

كما جاء في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة ” نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلب على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف “.

كذلك جاء في الفقرة الرابعة من المادة الثانية من الميثاق “يمتنع اعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على وجه آخر لا يتفق مع مقاصد الأمم المتحدة”

وبدأ ارتفاع الأصوات للمحاسبة على جرائم الحرب كان بعد الحرب العالمية الأولى فكان خجولاً بمواجهة الأفراد ، أما في الحرب العالمية الثانية فقد طبق عملياً ولم تبقى الصيحات مجرد صيحات وذلك من خلال محكمة نورنبورغ العسكرية ومحكمة طوكيو لمحاكمة مجرمي الحرب بصفتهم الشخصية كأفراد.

وجاءت سلسلة مؤتمرات جنيف التي قامت بها الحركة الدولية للصليب الأحمر بالإعداد لها منذ العام 1864 حتى العام 1949 التي نتج عنها أربع اتفاقيات كلها لتوفير الحماية لضحايا الحرب وأقامت صرحاً قانونياً لقانون الحرب، وكان الفضل لها في تطوير قانون الحرب والخطوة الحاسمة كانت في البروتوكولين الاضافيين لاتفاقيات جنيف لعام 1977 وهنا أًطلق على قانون الحرب مع القانون الدولي لحقوق الانسان في النزاعات المسلحة “القانون الدولي الانساني “ٍ والذي يعرّف جرائم الحرب بأنها المخالفات والانتهاكات الجسيمة وغير الجسيمة لقوانين واعراف الحرب التي يرتكبها المقاتلون من أفراد الجيوش النظامية والقوات المحاربة بوجه عام.

وكان قد سبقت اتفاقية لاهاي لعام 1907 بتعريف جرائم الحرب بأنها ” كل عمل عسكري لا يحقق ميزة عسكرية أو يتجاوز الحد المعقول أو الهدف من النزاع المسلح يعّد جريمة لا يجوز ارتكابها”  لذلك فإن الحروب بمختلف أنواعها الجوية والبرية والبحرية محكومة بقواعد قانونية يجب على الدول المتحاربة الالتزام بها وعدم انتهاكها ، فالحرب ليست حالة انفلات او التنصل من القانون والقيم والاخلاق ، فتصبح انتقاماً وجريمة حرب، فالقواعد القانونية تنظم ادارة الحرب والاسلحة التي يجب استعمالها والتي لا يجوز استعمالها ومعاملة الاسرى والمدنيين.

هذا هو قانون الحرب الذي أصبح تسميته بالقانون الدولي الانساني وهو عبارة عن مجموعة من الاتفاقيات والاعراف الدولية التي تنظم سير العمليات العسكرية، وكذلك الذي يخالف القواعد المتعلقة بالمدنيين يعد مرتكبا لجريمة حرب ويخضع للعقاب من قبل المحاكم الدولية أو محاكم عسكرية .

جرائم الحرب الإسرائيلية

ما هي جرائم الحرب الاسرائيلية وكيف نعاقب مرتكبيها والآمرين بها ؟

منذ أن تم استجلاب العصابات الصهيونية لاغتصاب أرض فلسطين العربية يمارس الصهاينة مجازر وحشية بحق الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والتاريخ والحضارة في هذه الأرض العربية.

وعندم تم الاعلان عن الكيان الصهيوني عام 1948 أمعنت سلطات الاحتلال في مجازرها بحق الأطفال والنساء وكبار السن من الشعب الفلسطيني وارتكب سلسلة من المذابح منها دير ياسين وصبرا وشاتيلا وغزة وجنين وغيرهم من المذابح أودت بحياة آلاف المواطنين الفلسطينيين، وأقامت دول استعمارية هذا الكيان المصطنع على أنقاض وأشلاء وجراح الشعب الفلسطيني .

وإذا كان ذكر مذابح دير ياسين وصبرا وشاتيلا قد يغني عن كل تعليق ويستدعي الى الذاكرة، الفظائع والبشاعة التي اتسمت بها جرائم الحرب الإسرائيلية التي ترتكبها على مدار الساعة وتنقلها وسائل الإعلام المتعددة وكيف توجه قوات الاحتلال بنادقها ومدافعها إلى صدور أطفال الحجارة وكيف تعتدي طائرات الاحتلال وبوارجه البحرية إلى الآمنين في مدن غزة ورفح وخان يونس في القطاع المحاصر ، وكيف تدك آلة الحرب الصهيونية المنشآت والمصانع والمنازل وتساويها بالأرض على رؤوس من فيها من المواطنين العزل، وكيف تمعن قوات العدو باغتيال ابناء الشعب الفلسطيني بحجج وذرائع واهية تهدف إلى كسر إرادة المقاومة الشعبية المشروعة لهذا العدو.

إن جرائم الحرب الإسرائيلية لا تعد ولا تحصى فهي في هذه اللحظات تقصف مدن الضفة المحتلة والقطاع المحاصر وتعتقل المواطنين وتنتهك حرمة المنازل وتقوم بأعمال الاستيطان وتهويد المقدسات لتغيير معالمها العربية والاسلامية والمسيحية كما هو الحال في مدينة القدس العربية المحتلة وفي البلدة القديمة في قلب مدينة الخليل التي تضم الحرم الإبراهيمي الشريف وكذلك تتعرض مدينة بيت لحم مهد السيد المسيح لعدوان غاشم يتسبب بحرمان الأهالي من بهجة الحياة وبهجة أعياد الميلاد المجيد.

وحيث أن جرائم الحرب المحددة في اتفاقية لاهاي لعام 1907 فقد جاء في المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة ” جرائم الحرب هي المخالفات الجسيمة والتي تتضمن أحد الأفعال التالية إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية وهي القتل العمد – التعذيب – المعاملة اللاإنسانية بما في ذلك التجارب الخاصة بعلم الحياة وتعمد إحداث آلام شديدة أو أضرار خطيرة بالسلامة البدنية أو بالصحة او النفي أو النقل غير المشروع والحجز غير المشروع وإكراه الشخص المحمي على الخدمة في القوات المسلحة بالدولة المعادية أو حرمانه من حقه في أن يحاكم بصورة قانونية وغير متحيزة وفقاً للتعليمات الواردة في هذه الاتفاقية وأخذ الرهائن وتدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية “

هذه المادة التي تحدد جرائم الحرب وهي مادة مكررة في الاتفاقيات الأربعة ، فقد جاءت في المادة الخمسين من اتفاقية جنيف الأولى وكذلك المادة الواحدة والخمسين من اتفاقية جنيف الثانية وكذلك المادة 130 من اتفاقية جنيف الثالثة وهي مكررة أيضاً في البروتوكول الملحق الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 في المادة 85 وقد أضاف عليها جرائم كثيرة جداً يرتكبها العدو الصهيوني.

وأهم ما جاء في هذه المادة من إضافات على المواد المذكورة أعلاه ، أنه أعمال وانتهاكات جسيمة كل ما يتم اقترافه ضد افراد الخدمات الطبية او الهيئات الدينية أو ضد الوحدات الطبية او وسائط النقل الطبي ، وجعل السكان المدنيين والأفراد المدنيين هدفاً للهجوم ، وشن هجوم عشوائي على المدنيين بمعرفة أن ذلك سيؤدي سلفاً إلى إيقاع خسائر بشرية ، واتخاذ شخص ما هدفاً للهجوم عن معرفة بأنه عاجز عن القتال ، وقيام دولة الاحتلال بنقل بعض سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها أو ترحيل أو نقل كل أو بعض سكان الأراضي المحتلة داخل نطاق تلك الدولة أو خارجها ، وممارسة التفرقة العنصرية ” الابارتهيد” وغيرها من الاساليب المبنية على التمييز العنصري والمنافية للإنسانية والمهنية والتي من شأنها النيل من الكرامة الشخصية، وشن الهجمات على الآثار التاريخية وأماكن العبادة والاعمال الفنية والتراث الثقافي والروحي للشعوب.

إن كل هذه المخالفات الجسيمة يرتكبها الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والتاريخ والهوية العربية والانتماء الحضاري.

وترتكب سلطات العدو الصهيوني جرائم الحرب وفق المادة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 الذي أضاف إلى اتفاقيات جنيف الاربعة جرائم منها ” تعمد تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم بما في ذلك التعمد في عرقلة الإمدادات الغوثية المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف ، واستخدام الغازات السامة والخانقة وغيرها من الغازات وجميع من في حكمها من السوائل الضارة والمواد والأجهزة التي تؤثر على صحة الانسان.

كيف يعاقب القانون الدولي جرائم الحرب الإسرائيلية؟

لا بّد من أن نذكر أولاً ما جاء في المادة 1 من اتفاقيات جنيف المكررة والتي جاء فيها ” تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تحترم هذه الاتفاقية وتكفل احترامها .

وجاءت المساءلة القانونية في اتفاقيات جنيف بنص مكرر بالاتفاقيات الاربعة ، ففي الأولى المادة 49 وفي الثانية المادة 50

والتي جاء فيها ” تتعهد الأطراف السامية بأن تتخذ أي إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات جزائية فعالة على الأشخاص الذين يقترفون أو يأمرون باقتراف احدى المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقية ، ويلتزم كل طرف متعاقد بملاحقة المتهمين باقتراف مثل هذه المخالفات الجسيمة أو الأمر باقترافها وتقديمهم إلى المحاكمة ما دامت تتوافر أدلة اتهام كافية ضد هؤلاء الأشخاص”.

وحيث أن هناك انحياز أمريكي وتحالف استراتيجي مع العدو الصهيوني تجعله بحل من التزاماته القانونية وإعفاءه من المسؤولية وتمارس دور المحامي عنه مخالفة بذلك المادة 148 لاتفاقية جنيف الرابعة المكررة في باقي الاتفاقيات والتي تنص على أنه ” لا يجوز لأي طرف متعاقد أن يتّحلل أو يحّل طرفا متعاقدا آخر من المسؤوليات التي تقع عليه او على طرف متعاقد آخر فيما يتعلق بالمخالفات المشار اليها في المدة 147.

إذاً يتوجب على الاطراف السامية المتعاقدة بموجب اتفاقيات جنيف الاربعة تحمل مسؤولياتهم القانونية والاخلاقية والوفاء بالتزاماتهم وعلى ضمان احترام “الكيان الصهيوني” للاتفاقية الرابعة وتطبيقها في الأراضي الفلسطينية بموجب المادة 1 والمادة 148 ولابد من الدعوة لعقد مؤتمر جديد للأطراف المتعقدة على اتفاقية جنيف لإلزام العدو الصهيوني بتنفيذها.

وللأمم المتحدة دور متزايد في معالجة النزاعات المسلحة حسبما جاء في المادة 89 من البروتوكول الملحق الاول الذي يدعو إلى التزام الدول مع الامم المتحدة لضمان تنفيذ واحترام القانون الدولي الانساني ، وكذلك يتطلب من الامم المتحدة الضغط على الكيان الصهيوني لدفع التعويضات للفلسطينيين المتضررين من جرائم الحرب الإسرائيلية التي جاء ذكرها والتأكيد عيلها في المادة الثالثة من الاتفاقية الرابعة لاتفاقيات لاهاي لعام 1907

وتم تأكيد مبدأ التعويض في المادة 91 من البروتوكول الملحق الأول وهذه المسؤولية تقع على عاتق الدول لعدم الوفاء بالتزاماتها.

ويجب تطبيق الاختصاص العالمي فيما يتعلق بجرائم الحرب التي يرتكبها الصهاينة بحق الشعب الفلسطيني الذي تطبقه بعض الدول الاوروبية وكندا لصالح محاكمها الجزائية الوطنية التي تعتبر بأن المخالفات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني بغض النظر عن المكان الذي ارتكبته فيه هي جرائم تخضع لمحاكمها.

وتندرج جرائم الحرب الاسرائيلية ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية التي تنص في المادة الخامسة من ميثاقها من نظام روما الأساسي لعام 1998 ” يقتصر اختصاص المحكمة على أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره وللمحكمة بموجب هذا النظام الاساسي اختصاص النظر في الجرائم التالية :

جريمة الابادة الجماعية

الجرائم ضد الانسانية

جريمة الحرب

وطالما أن الكيان الصهيوني يرتكب هذه الجملة المنصوص عنها في المادة الثامنة من النظام ذاته بجميع فقرات هذه المادة فإنه يستوجب محاكمة المجرمين الفاعلين لهذه الجرائم أمام المحكمة الجنائية الدولية ، وحيث أن الكيان الصهيوني لم ينضم لهذه المعاهدة بعد أن حضر جلسات مؤتمر روما ووقع على المعاهدة حتى يتفلت مجرمون صهاينة من احالتهم إلى هذه المحكمة ، وبقي الكيان الصهيوني عضواً في المعاهدة من أجل أن يحضر الجلسات الاستعراضية للمؤتمر دون الانضمام إلى للمحكمة.

كما أن هذه المحكمة اختصاصها تكميلي للقضاء الوطني بحيث إذا تصدى القضاء الوطني لمحاكمة مجرمي الحرب فلا يكون هناك من سبيل لإجراء محاكمتهم أمامها ، وهناك حالة للمحكمة فقط للدول المنضمة تستطيع بموجبها إجراء المحاكمة اذا تبين للمحكمة الجنائية الدولية أن السلطات الوطنية غير راغبة أو غير قادرة فعلا على اجراء التحقيق والاتهام.

وفي حالتنا مع العدو الصهيوني يمكن المطالبة بمحكمة جنائية خاصة على غرار المحكمتين الجنائيتين الخاصتين بدولة يوغسلافيا السابقة عام 1993 وبدولة رواندا عام 1994 بقرار من مجلس الأمن الدولي لمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب في البلدين المذكورين.

ولكي تتمكن الدول العربية من ملاحقة ومعاقبة مسؤولي الكيان الصهيوني فيجب عليها أخذ مبدأ الاختصاص العالمي الذي تدعو إليه معاهدات القانون الدولي الإنساني الذي اعتمدته بعض الدول الأوروبية وكندا .

كما يتطلب من الدول العربية مراجعة تشريعاتها الجزائية بالنسبة إلى القضاء الجزائي المدني أو العسكري استجابة لما تنص عليه اتفاقية جنيف لعام 1949 للتمكن من محاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين.

جريمة الاستيطان كجريمة الحرب في مدينة القدس العربية

الأرض هو جوهر الصراع التاريخي بين الحركة الصهيونية والشعب العربي الفلسطيني ، فالحركة الصهيونية كان هدفها منذ بدء مشروعها العدواني الاستعماري إقامة “دولة يهودية ” على أرض فلسطين العربية من خلال الاستيلاء على الارض واقامة شبكة من المستوطنات عليها

وتشكل الاعمال الاستيطاني جوهر الحركة الصهيونية بوصفها حركة إقتلاعية اجلائية تقوم على استبدال سكان الارض الاساسيين والاصليين بمهاجرين من اليهود يتم جلبهم من أصقاع العالم ، فقامت هذه الحركة في العام 1948 بطرد ما يقارب 850 ألف مواطن فلسطيني من منازلهم وقراهم ومدنهم  تحت شعار ” أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ” فتقاطع المشروع الصهيوني مع المصالح الاستعمارية، فالمشروع الصهيوني ذو طبيعة استيطانية تجعل من الكيان الصهيوني جسماً غربياً وغريباً مزروعا بالقسر في قلب الوطن العربي فهو مشروع استيطاني غربي المنشأ والطبيعة والمقاصد يهدف إلى ابتلاع وقصم الارض وتوسيع رقعة الكيان الصهيوني في فلسطين العربية.

وعندما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 181 بتاريخ 29 تشرين الثاني من العام 1947  بتقسيم فلسطين الى ثلاثة اقسام عمدت العصابات الصهيونية إلى سلب ونهب الاموال الفلسطينية وتدمير المباني واغتيال المواطنين وتهجير أكبر عدد ممكن من منازلهم في المدينة المقدسة ومحيطها مكرسة بذلك بداية فكرة تهويد المدينة المقدسة وازالة جميع المعالم العربية للمدينة.

وأمعنت قوات الاحتلال في عدوان العام 1967 في جرائمها واحتلت القسم الشرقي من القدس العربية الى كيانها الغاصب في مخالفة لاتفاقية جنيف واتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907 لذلك فإن اقامة وتوسيع المستوطنات في القدس العربية يعد تعدياً على حقوق الشعب الفلسطيني وسيادته ويعد انتهاكاً للقوانين الدولية ذلك أن القانون الدولي الانساني قد حرم أفعال نقل السكان الأصليين تحت الاحتلال من اماكن سكنهم الى اراضي اخرى وبذات الوقت منع القانون الدولي نقل جزء من سكانها الى تلك المناطق وبالتالي فإن الاستيطان محظور وجريمة من جرائم الحرب بموجب العديد من النصوص الواردة في القوانين والمعاهدات الدولية التي تحظر الاستيطان وتمنع المساس بالحقوق والاملاك المدنية والعامة

في البلاد المحتلة.

حيث جاء في اتفاقية لاهاي لعام 1907 أن الدولة المحتلة لا يجور لها أن تصادر الاملاك الخاصة فيما اكدت اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 أنه لا يحق لسلطة الاحتلال نقل مواطنيها الى الاراضي التي احتلتها او القيام بإجراء أي تغيير ديموغرافي فيها. وكذلك لا يحق لقوات الاحتلال تدمير الملكية الفردية او الجماعية أو ملكية الافراد او الدولة او التابعة لأي سلطة في البلد المحتل، علما أنه سبق وأدان مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة في عشرات القرارات سياسة الكيان الصهيوني الاستيطانية واستنكرت الهيئات وأجهزة الأمم المتحدة المتعددة عدم التزام هذا الكيان بالقوانين والقرارات الدولية ومنها على سبيل المثال قرار المجلس رقم 465  الصادر في العام 1980 الذي ينص ” ان جميع الاجراءات التي تتخذها “إسرائيل” بقصد تغيير الصفات المادية والتركيب السكاني وهيكلة المؤسسات أو الوضع في الأراضي الفلسطينية والاراضي العربية المحتلة منذ العام 1967 بما فيها القدس او أي جزء منها لا يحمل الصلاحية القانونية وان سياسة “إسرائيل” القائمة على توطين بعض من سكانها او مهاجرين جدد في هذه الأراضي يعتبر خرقا واضحا لمعاهدة جنيف الرابعة المتعلقة بحماية السكان المحللين في زمن الحرب “.

مما تقدم يتضح لنا أن الطريق لمكافحة المشروع الاستيطاني الصهيوني ووضع حد لجرائم الاحتلال بحق الارض والإنسان في فلسطين المحتلة وخاصة في القدس وأهلها ، هو دعوة الدول السامية الموقعة على اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 لمؤتمر دولي لإلزام هذا الكيان الغاشم الذي وقع على هذه الاتفاقية في 8/12/1949 وانضم لاتفاقية في 6/7/1951 كما أن الاختصاص العالمي يلاحق جرائم الحرب في الدول التي تعمل بهذا النظام وهي الدول الأوروبية وكندا فلا بد من إقامة دعاوى أمام محاكم هذه الدول على متزعمي الكيان الصهيوني بموجب هذا الاختصاص ليتم محاسبتهم وذلك نظراً لعدم انضمامها لمحكمة الجنائيات الدولية كما يمكن اخذ رأي استشاري من محكمة العدل الدولية حول جرائم الاستيطان في القدس واعتبار هذا الرأي مستنداً قانونياً إضافياً لتقديمه لهذه المحاكم ، كذلك القرار رقم 478 الصادر في العام 1980 عن مجلس الامن الذي يعتبر قرار ضم القدس لاغياً وباطلاً.

فهذا العدو لا يمتلك ثقافة السلام ولا يؤمن به ومشاريعه في القدس تهدف لوأد جهود السلام التي ترمي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصتها القدس الشريف.

والحقيقة أن مجرد رفض المجتمع الدولي قبول أعمال تعتبر غير قانونية يبدو غير كافٍ ما لم يتخذ المجتمع الدولي اجراءات ملموسة وعملية لإجبار إسرائيل على تغيير مواقفها وهذه تعد أولى مهمات الأمم المتحدة ، إذا استطاعت هذه المنظمة أن تتحرر من قيود الادارة الامريكية.

ولذلك فإن المقاومة الوطنية المشروعة وفق القوانين الدولية والبروتوكول الملحق الأول باتفاقيات جنيف هو الرد الوحيد على جرائم هذا العدو الذي لا يفهم سوى لغة القوة والذي اثبت أنه معادٍ لعملية السلام ويرتكب كل يوم ممارسات تهدم خطوات السلام من خلال الإمعان في القتل والتشريد والتهويد وحفريات تحت القدس المحتلة واعتقال المواطنين وهدم منازلهم وقطع سبل حياتهم وإقامتها لجدار الفصل العنصري وتوسيع البؤر الاستيطانية وجرائم لا تعد ولا تحصى من جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية كتجويع أهل قطاع غزة المحاصر منذ أكثر من عشر سنوات أمام سمع وبصر العالم الذي يقف موقف المتفرج بل أحياناً الداعم لهذا الكيان ما يدفع ذلك الشعب الفلسطيني إلى التمسك بخيار المقاومة لدحر الاحتلال وتحرير الأرض .

 المحامي محمد نعيم آقبيق – باحث في القانون الدولي الإنساني