بوتين ينتقد زعيم الثورة البلشفية فلاديمير

246
بوتين ينتقد زعيم الثورة البلشفية فلاديمير لينين
بوتين ينتقد زعيم الثورة البلشفية فلاديمير لينين

تحت العنوان أعلاه كتب أندريه ميلنيكوف في “نيزافيسيمايا غازيتا” بشأن تصريحات الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، حول زعيم الثورة البلشفية فلاديمير لينين، ومصير جثمانه المحنط.

وجاء في المقال:

“في الفترة الأخيرة، وجه فلاديمير بوتين سهام نقده أكثر من مرة لدور لينين في التاريخ الروسي. ففي المؤتمر الصحفي السنوي الكبير، 19 ديسمبر الجاري، قال الرئيس إن زعيم البروليتاريا العالمية “كان ثائرا أكثر منه رجل دولة”، وألقى بوتين باللوم على لينين في موقفه من السياسة الوطنية، ونتيجة لذلك تمكنت جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق من  ممارسة حقها في تقرير المصير، فقد اقترح لينين “كونفدرالية، ربطت الجماعات العرقية بأقاليم محددة، ومنحهم الحق الفعلي في مغادرة الاتحاد السوفيتي. فظهرت على الفور مناطق توتر، ألفان من هذه المناطق. وإذا ما أغمضت عينك عن إحداها للحظة واحدة فسوف تكون العواقب وخيمة. وكان ستالين ضد هذا التوجه، إلا أنه رضخ في النهاية للصيغة اللينينية. وعليه نقلت الأراضي التي تعود ملكيتها لروسيا، على سبيل المثال، منطقة البحر الأسود بأكملها لأوكرانيا، حتى يكون هناك المزيد من البروليتاريا في أوكرانيا. ولينين بذلك ربط مستقبل البلد بمستقبل الحزب، وما إن بدأ الحزب في الانهيار، حتى تبعته البلاد وتبعثرت. ولم تؤخذ المخاطر الجيوسياسية في الاعتبار”.

يمكن تتبع هذه الفكرة في مقابلات قديمة لبوتين، يعود تاريخها لتسعينيات القرن الماضي، وقد ظهرت في أكثر من مناسبة طوال أعوام وجوده على رأس الدولة الروسية. ومؤخرا، تحدث بوتين، 10 ديسمبر، عن محاولات الزعيم البلشفي لـ “خلق روسيا من جديد”. كما صدر العديد من التصريحات البارزة لبوتين، مطلع عام 2016، عشية الذكرى المئوية لثورة أكتوبر، حيث قال إن الفكر اللينيني “أدى إلى انهيار الاتحاد السوفيتي”، و”نحتاج لإلقاء نظرة مختلفة على الأفكار التي صاغها رئيس الدولة السوفيتية آنذاك، فلاديمير لينين”. وقال أيضا في معرض حديث آخر:  “لقد قلت إن لغما تم زرعه تحت بناء هياكل دولتنا”.

من الواضح أن الفكرة التي تراود زعيم روسيا الحديثة لا تتركه، وكأنه يريد أن يمحو صفحة تراث لينين الإيديولوجي والسياسي من تاريخ البلاد، تاركا فقط الصفحات، التي يمكن تسميتها بالمجيدة من وجهة نظر انتصار سيادة الدولة. حتى ستالين، الذي رضخ للصيغة اللينينية في نهاية المطاف، وفقا لبوتين، يبدو أنه يثير إعجاب الحاكم الحالي للبلاد. بالطبع، أدان الرئيس الروسي ستالين في أكثر من مناسبة بسبب القمع، لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن حتى التصريحات الخاصة بأهوال القمع، أعادها بوتين أكثر من مرة لاستناده إلى تراث لينين.

كذلك لا يمكن أن نخطئ ملاحظة تعاطف الرئيس الواضح مع روسيا القيصرية قبل الثورة. ففي المؤتمر الصحفي السنوي أيضا، وردا على تعليق حول أن الجيل الحالي يستخدم الإرث الصناعي والاقتصادي للحقبة السوفيتية، اعترض بوتين بقوله: “بل لإرث روسيا ذي الألف عام”. يحدث ذلك على خلفية محاولة عدد من القوى تأهيل حقبة حكم الإمبراطور نيقولاي الثاني، على الرغم من النهاية البائسة، محاولين رسم سنوات ما قبل الثورة، كذروة القوة السياسية والاقتصاد الروسي، أما الانهيار، الذي لا يختلف عليه اثنان، فإنما وقع بسبب القوى الخارجية و”الطابور الخامس” فقط.

ومع ذلك، فلا زال كثيرون في روسيا يرون “عصرهم الذهبي” في الدولة المرتبط ارتباطا وثيقا باسم لينين، ومحصلة القوى المحبة للاتحاد السوفيتي، لا زالت لا تسمح بتعليق صور الجنرالات البيض على جدران المباني في المدن الروسية، هذه هي القوة المجتمعية هي نفسها ما تمنع السلطات من استخراج جثمان لينين المحنط، و”دفنه إنسانيا”. وهو ما صرح به بوتين هذه المرة، إجابة عن سؤال صحفي، يبدو أنه لم يكن مصادفة: “فيما يتعلق بالجثمان، لا يتعين لمسه، بأي حال طالما كانت هناك قوى مجتمعية تربط به مصيرها وحياتها”.

وعلى الرغم من ذلك، ففي ظرف سنوات معدودات قد نصبح شهودا على نهاية قصة تقديس جثمان لينين. وسيسدل بوتين نفسه الستار الأخير على هذه القصة. دعونا نلتفت إلى صدفة أنه في عام 2024، ومع انتهاء فترة رئاسة فلاديمير بوتين، سوف يكون قد مر على نوم فلاديمير لينين في مخدعه الفاخر من الغرانيت زهاء قرن بالتمام والكمال، وهي فرصة مناسبة يمكن انتهازها لتقديم معنى رمزي في حد ذاته، لإسدال الستار، على نحو لائق، على قرن كامل من حكم الرجل الميت، بعظمته ورعبه، على عقول ووجدان أجيال ما بعد الاتحاد السوفيتي.

في المؤتمر الصحفي السنوي، قال رئيس الدولة، الذي بدأ فترته الرئاسية الرابعة العام الماضي، إنه من الممكن تغيير الدستور وحذف عبارة شغل رئيس الدولة لفتراته الرئاسية “على التوالي”، وهو ما أثار رد الفعل المتوقع، لما يعنيه ذلك من أن الفترة الحالية للرئيس الروسي قد تكون الأخيرة. لكن من غير المستبعد أن يترك الزعيم الوطني زمام الأمور في يديه، ويبقى في السلطة بصورة أو بأخرى.

سوف تنتقل السلطة في مارس 2024، وبحلول أبريل سوف يكون بوتين قادرا على إعلان قرار تاريخي، بعد ربع قرن من الرئاسة، ثم رئاسة الوزراء “القوية”، سيكون الأمر مثل بدء عهد جديد تماما.

في الوقت ذاته، يمكن لهذا الإجراء أن يسطر “بحروف من ذهب” آخر أسطر تاريخ حكم بوتين، علاوة على ذلك، فبالنسبة لرئيس دولة بعد الانتخابات، لن يكون لديه ما يخسره، ولا يمثل تراجع شعبيته آنذاك شيء يذكر. وكما نعلم، فلدى بوتين سوابق اتخاذ إجراءات حاسمة تستند إلى هامش أمان مقبول من شعبيته لدى الجماهير، يكفي أن نذكر منها إصلاح نظام التقاعد المؤلم في ذروة التصنيف الرئاسي، وبعد وقت قصير من انتخابات عام 2018. ربما تكون إزالة جثمان لينين من الضريح أكثر خطورة من رفع سن التقاعد، ولكن في الظروف الاستثنائية آنذاك، ربما يكون لدى بوتين ما يكفي من الثقة بالنفس، لتحقيق ما فشل الرئيس الأسبق، بوريس يلتسين، في تحقيقه مع أفول فترة حكمه”.

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة