“الأردوغانية” بدأت في اسطنبول فهل تنتهي فيها؟

67

بات واضحاً أن التحالف الـقومي – الديني المتطرف الحاكم في تركيا، والمكون من حزبي “العدالة والتنمية” و”الحركة القومية”، بدأ يدخل مرحلة العد العكسي للانكماش والتراجع. فالنتائج الأخيرة للانتخابات البلدية، أتت لتقول ذلك صراحة، سيما وأن تلك الانتخابات لا تقل أهمية عن نظيرتها العامة. فهي بمثابة جس نبض وتعبير مبكر عن مزاج الناخبين وتوجهاتهم انطلاقاً من قضايا حياتية ويومية تمسهم مباشرة بعيداً من ضجيج شعارات الانتفاخ الإمبراطورية ونزعاتها، ومحاولات إعادة إنتاج العثمانية في حلة جديدة، وتوريط تركيا في نزاعات وحروب واحتلالات، خاصة في سورية (من جرابلس والباب إلى عفرين)، فضلاً عن الغوص حتى النخاع في دعم الاٍرهاب ورعايته وتوظيفه لخدمة الأجندات التوسعية لأنقرة.

وعلى رغم محاولات حزب “العدالة والتنمية” الحاكم الطعن في النتائج ومحاولة التلاعب بها والمطالبة بإعادة الفرز، لكن في النتيجة كسب حزب المعارضة الرئيس: “حزب الشعب الجمهوري” بلدية إسطنبول حتى بعد إعادة فرز الأصوات، ما عزز من ثقله ومن نشوة نصره ومن وطأة الهزيمة على الحزب الحاكم، الذي تضاعفت عبر نتائج إعادة الفرز مرارة خسارته في عقر إسطنبول، التي هي، كما جاري العادة، مفتاح حصد النجاح في الانتخابات العامة. ولا بد من الإشارة هنا، إلى أن ظهور رجب أردوغان القوي وبداية صعوده كانا بعد فوزه برئاسة بلدية إسطنبول.
على وقع الأزمة الاقتصادية الحادة، وتصاعد النزعة الفردية والديكتاتورية وتكميم الحريات السياسية والصحافية والاجتماعية، واعتقال عشرات آلاف الموظفين والمعلمين والصحافيين وفصلهم كيدياً وتعسفياً، وعلى رغم سياسات التوسع والاحتلال ومحاولة قضم أجزاء واسعة من شمال العراق وسورية، ودائماً تحت يافطة البعبع الكردي والتدخل الـ “توتيري” في شؤون معظم دول المنطقة من شمال إفريقيا إلى الخليج، وما خلّفه ذلك من احتكاك وتصادم مع كبريات عواصم الإقليم من القاهرة إلى الرياض. بدا واضحاً خلال هذه الانتخابات، أن الفاشية الأردوغانية باتت في طورها النكوصي، وأن العد العكسي لضمورها وحتى سقوطها انتخابياً بدأ. فخسارة المدن الثلاث الكبرى : إسطنبول وأنقرة وإزمير، مؤشر قاطع إلى تقهقر الحزب الأردوغاني إلى حواضنه ومفارخه الإخوانية والريفية والشعبوية، وتراجعه الحاد على صعيد القطاعات المدينية والمتعلمة، المستاءة من سياساته المتهورة التي باتت تهدد بتقويض السلم الأهلي المهلهل أساساً، وتدمير الطبقة الوسطى التركية التي هي بطبيعة الحال ضامن الاستقرار والتوازن.

الناخبون في تركيا، بدأوا بتدارك خطر تصاعد النزعات السلطانية الاستبدادية لدى رأس الدولة، وعمله على تكريس نظام رئاسي فردي ينخره الفساد والغرور والقمع والنزوع نحو تقسيم المجتمع التركي وتسعير النزعات التنابذية فيه، سيما لجهة تعاطيه الأمني والعسكري مع القضية الكردية، التي تبقى أم القضايا العالقة ومحك التحول الديموقراطي البنيوي في تركيا. إذ طالما بقيت هذه القضية بلا حل عادل وسلمي، تبقى الديموقراطية في تركيا ملطخة بوصمة عار لا تخطئها عين.
ولعل محورية وحيوية الدور والعامل الكرديين في قلب المعادلات السياسية، بدت جلية في هذا السقوط الانتخابي المدوّي لحزب أردوغان. من الواضح للقاصي والداني، أن الكتلة الكردية الناخبة في كبريات المدن التركية، والتي تقدر بملايين الأصوات، هي من رجح كفة “حزب الشعب الجمهوري” في إسطنبول وأنقرة خاصة، وبإيعاز وتكتيك حاذق من “حزب الشعوب الديمقراطي”، فضلاً عن النصر الكبير نسبياً لـ “الشعوب” في محافظات كردستان. على رغم حملات إرهاب الدولة والتزوير وتوظيف مقدرات السلطة وإغراءاتها في سياق العمل على تعزيز نفوذ حزب أردوغان في كردستان تركيا. لكن، مع ذلك كله، لا بد لنا من وقفة جادة مع حقيقة مرة، تجلت بتصويت مئات الآلاف حتى لا نقول الملايين من الكرد في تركيا لأردوغان. وهنا، فإن الحركة التحررية والديموقراطية الكردستانية في تركيا، وفي مقدمها “حزب العمال الكردستاني” تتحمل ولا ريب قسطاً غير يسير عن وزر هذه الظاهرة الشاذة، وهذا بحث آخر.

الحياة – شيراز اليزيدي